سعة مغفرة الله - الاربعين النوويه

سعة مغفرة الله

الحديث الثاني والأربعون: حديث سعة مغفرة الله

نص الحديث:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِيْ، يَا ابْنَ آَدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِيْ بِقِرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيْتَنِيْ لاَ تُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحَيْحٌ.

خلاصة الحديث:

الحديث يوضح سعة مغفرة الله تعالى لعباده، حيث يبين أن الله يغفر الذنوب مهما كثرت وعظمت، بشرط أن يدعو العبد ربه ويستغفره، وأن لا يشرك بالله شيئًا. وهذا يدل على عظيم رحمة الله وتجاوزه عن ذنوب عباده إذا تابوا وأنابوا.

شرح الحديث:

قوله: (مَا دَعَوتَنِي) أي ما دمت تدعوني وتطلب مني المغفرة. قوله: (وَرَجَوتَنِي) أي ترجو رحمتي ومغفرتي. قوله: (غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ) أي سأغفر لك كل ما فعلته من ذنوب. قوله: (وَلا أُبَالِي) أي لا أهتم بذلك ولا أعتبره شيئًا عظيمًا. قوله: (لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ) أي لو كانت ذنوبك كثيرة جدًا حتى تصل إلى عنان السماء، وهو أعلى السماء. قوله: (ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ) أي إذا استغفرتني بعد ذلك سأغفر لك. قوله: (إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِيْ بِقِرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا) أي لو جئتني بذنوب بقدر ما يملأ الأرض. قوله: (ثُمَّ لقِيْتَنِيْ لاَ تُشْرِك بِيْ شَيْئَاً) أي إذا لقيتني يوم القيامة وأنت لم تشرك بي شيئًا. قوله: (لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً) أي سأغفر لك ذنوبك بقدر ما ملأت الأرض منها. وهذا يدل على سعة مغفرة الله تعالى ورحمته بعباده.

السيرة الذاتية لراوي الحديث:

هو أنس بن مالك بن النضير بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. كنيته: أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، كناه النبي ﷺ أبا حمزة ببقلة كان يجتنبها. ولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين. قدم النبي ﷺ المدينة وهو ابن عشر سنين، فأتت به أمه أم سليم النبي ﷺ فقالت له: "هذا أنس غلام يخدمك"، فقبله. كان أنس يقول: "قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين". وكان يحثني على خدمة رسول الله ﷺ، فصحب أنس النبي ﷺ أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر. أصيب أنس بن مالك في نهاية حياته بمرض البرص وضعف جسده، وتوفي في البصرة في السنة الثالثة والتسعين للهجرة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وهو آخر من بقي من أصحاب النبي ﷺ.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث:

قراءة المزيد

اتباع النبي صلى الله عليه وسلم - الاربعين النوويه

اتباع النبي صلى الله عليه وسلم

الحديث الواحد والأربعون: حديث اتباع النبي صلى الله عليه وسلم

نص الحديث:

عَنْ أَبِيْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بِنِ عمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ) حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ.

خلاصة الحديث:

الحديث يوضح أن الإيمان الكامل لا يتحقق إلا عندما يكون هوى المسلم تابعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من شرع الله. وهذا يعني أن المسلم يجب أن يخضع كل رغباته وأهوائه لأوامر الله ورسوله، ولا يتبع هواه في مخالفة الشرع.

شرح الحديث:

يقول: (لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ) يعني الإيمان الكامل. قوله: (حَتَّى يَكُونَ هَواهُ) أي اتجاهه وقصده. قوله: (تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ) أي من الشريعة. وهذا يعني أن الإيمان الكامل لا يتحقق إلا عندما يكون هوى المسلم تابعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من شرع الله. وهذا يعني أن المسلم يجب أن يخضع كل رغباته وأهوائه لأوامر الله ورسوله، ولا يتبع هواه في مخالفة الشرع.

السيرة الذاتية لراوي الحديث:

هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب السهمي القرشي، من قبيلة قريش، ووالده هو الصحابي الجليل عمرو بن العاص. لم يكن بينه وبين أبيه إلا اثنا عشر سنة، وأمه هي رائطة بنت الحجاج. أسلم قبل أبيه عمرو بن العاص، وأكثر ما اشتهر به أنه كان يكتب الحديث عن رسول الله ﷺ، وهو الوحيد من الصحابة الذي كتب الحديث عن رسول الله ﷺ بعد أن استأذنه. فقد روى أن عبد الله بن عمرو قال: "يا رسول الله، أكتب ما أسمع في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإني لا أقول إلا حقًا". وقد كان لعبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة جمع فيها الكثير من أحاديث الرسول ﷺ، وقد روي عن عبد الله بن عمرو أنه روى سبعمائة حديث عن رسول الله ﷺ. كان الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص معروفًا بكثرة العبادة وكثرة الصيام وكثرة القيام وكثرة البكاء من خشية الله، فهو الإمام الزاهد الورع العابد الحبر العالم الفقيه. توفي الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص سنة خمس وستين هجريًا، واختلف العلماء في مكان وفاته، حيث قال بعضهم إنه مات ودفن بمصر التي فتحها أبوه، وبعضهم قال إنه مات في مكة، وبعضهم قال إنه مات بالشام.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث:

قراءة المزيد

كن في الدنيا كأنك غريب - الاربعين النوويه

كن في الدنيا كأنك غريب

الحديث الأربعون: حديث كن في الدنيا كأنك غريب

نص الحديث:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمنْكبيَّ فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ. وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ. رواه البخاري.

خلاصة الحديث:

الحديث يوضح أن المسلم يجب أن يعيش في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، ولا يتعلق بها، بل يعمل للآخرة ويستعد لها. كما يبين أهمية اغتنام الوقت والصحة في طاعة الله، وعدم تأخير العمل الصالح.

شرح الحديث:

قوله: (أَخَذَ بِمنْكَبَيَّ) أي أمسك بكفتي من الأمام. وذلك من أجل أن يستحضر ما يقوله النبي ﷺ وقال: (كُنْ فِي الدُّنِيا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ) فالغريب لم يتخذها سكناً وقراراً، وعابر السبيل: لم يستقر فيها أبداً، بل هو ماشٍ. وعابر السبيل أكمل زهداً من الغريب، لأن عابر السبيل ليس بجالس، والغريب يجلس لكنه غريب. (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابرُ سَبِيْلٍ) وهذا يعني الزهد في الدنيا، وعدم الركون إليها، لأنه مهما طال بك العمر فإن مآلك إلى مفارقتها. وَكَانُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري. هذه كلمات من ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ والمعنى: اعمل العمل قبل أن تصبح ولا تقل غداً أفعله، لأن منتظر الصباح إذا أمسى يؤخر العمل إلى الصباح، وهذا غلط، فلا تؤخر عمل اليوم لغد. وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ أي اعمل وتجهّز، وهذا أحد المعنيين في الأثر. أو المعنى: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاح لأنك قد تموت قبل أن تصبح. وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاء لأنك قد تموت قبل أن تمسي. وفي هذا يقول بعضهم: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) والمعنى: الدنيا لاتهمّك، الذي لا تدركه اليوم تدركه غداً فاعمل كأنك تعيش أبداً، والآخرة اعمل لها كأنك تموت غداً، بمعنى: لا تؤخر العمل. وهذا يروى حديثاً عن النبي ﷺ ولكنه ليس بحديث.

السيرة الذاتية لراوي الحديث:

عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي المكي المدني، وأمه زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة الجمحي، أخت عثمان بن مظعون، أسلم بمكة قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه، وكان من فقهاء الصحابة وزهَّادهم، ولا يصح قول من قال: إنه أسلم قبل أبيه وهاجر قبله، ولم يشهد بدرًا، وعُرض على النبي ﷺ يوم أحد وهو ابن أربعة عشر عامًا فرده، ثم عرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمسة عشر فأجازه، لم يتخلف بعد عن النبي ﷺ، وهو أحد العبادلة الأربعة، وثانيهم ابن عباس، وثالثهم عبدالله بن عمرو بن العاص، ورابعهم عبدالله بن الزبير، كان عبد الله بن عمر بن الخطاب (أبو عبد الرحمن) شديد الورع والخوف من الله ومن شدة ورعه أن دعاه يومًا الخليفة عثمان بن عفان وطلب منه أن يشغل منصب القضاء فاعتذر وعندما سأله عثمان لماذا ترفض فرد عليه عبد الله بن عمر بن الخطاب قائلا " بلغني أن القضاة ثلاثة: قاضٍ يقضي بجهل فهو في النار، وقاضٍ يقضي بهوى فهو في النار، وقاضٍ يجتهد ويصيب؛ فهو كفاف لا وزر ولا أجر " وقال له اعفينى فأعفاه عثمان بعد أن أخذ عليه عهدًا ألاَّ يخبر أحدًا؛ لأنه خشي إذا عرف الأتقياء الصالحون أن يتبعوه وينهجوا نهجه , كان شديد التدين متبع لسنة النبي في كل شئ ,روى عن النبي ﷺ الكثير من الاحاديث وكان شديد الحذر في روايته عن الرسول ﷺ. توفي الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب (أبو عبد الرحمن) سنة 73 هجريا في مكة ودفن فيها.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث:

قراءة المزيد

التجاوز عن الخطا و النسيان - الاربعين النوويه

التجاوز عن الخطأ والنسيان

الحديث التاسع والثلاثون: حديث التجاوز عن الخطأ والنسيان

نص الحديث:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ). حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.

خلاصة الحديث:

الحديث يوضح أن الله تعالى تجاوز عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، مما يدل على رحمة الله بعباده ورفعه للحرج عنهم في حالات الخطأ غير المتعمد أو النسيان أو الإكراه.

شرح الحديث:

قوله: (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) اللام هنا للتعليل، أي تجاوز من أجلي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. والخطأ: أن يرتكب الإنسان العمل عن غير عمد. والنسيان: ذهول القلب عن شيءٍ معلوم من قبل. والاستكراه: أن يكرهه شخص على عمل محرم ولا يستطيع دفعه، أي: الإلزام والإجبار. وهذه الثلاثة أعذار شهد لها القرآن الكريم. أما الخطأ والنسيان فقد قال الله عزّ وجل: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). وأما الإكراه: فقال الله عزّ وجل: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فرفع الله عزّ وجل حكم الكفر عن المكرَه، فما دون الكفر من المعاصي من باب أولى لاشك. إذاً هذا الحديث مهما قيل في ضعفه فإنه يشهد له القرآن الكريم كلام رب العالمين.

السيرة الذاتية لراوي الحديث:

هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي، صحابي جليل، وهو ابن عم النبي ﷺ، كني بأبو العباس وهو أكبر ولده، لقب بالبحر والحبر لسعة علمه وحدة فهمه، وبترجمان القرآن لأنه فسر القرآن وبينه فأجاد وأحسن بيانه. ولد والنبي ﷺ وأهل بيته بالشعب من مكة، فأتي به النبي ﷺ فحنكه بريقه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بخمس. توفي رضي الله عنه بالطائف سنة ثمان وستين، ويقال سنة تسع وستين، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: إحدى وسبعين سنة.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث:

قراءة المزيد

جزاء معاداة الأولياء - الاربعين النوويه

جزاء معاداة الأولياء

الحديث الثامن والثلاثون: حديث جزاء معاداة الأولياء

نص الحديث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ. وَمَا تَقَرَّبَ إِلِيَّ عَبْدِيْ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلِيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ. ولايَزَالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيْ يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِيْ بِهَا. وَلَئِنْ سَأَلَنِيْ لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِيْ لأُعِيْذَنَّهُ). رواه البخاري.

خلاصة الحديث:

الحديث يوضح أن من يعادي أولياء الله فإن الله يعاديَه ويعلن عليه الحرب. كما يبين أن أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله هو أداء الفرائض، وأن الاستمرار في النوافل يقرب العبد من محبة الله. وعندما يحب الله العبد، فإنه يحميه ويسدده في جميع أفعاله، ويستجيب لدعائه ويحفظه من كل مكروه.

شرح الحديث:

قوله: (مَنْ عَادَى لِي وَليَّاً) أي اتخذه عدواً له، ووليُّ الله عزّ وجل بيَّنه الله عزّ وجل في القرآن، فقال: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- من كان مؤمناً تقياً كان لله وليَّاً أخذه من الآية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ). قوله: (فَقَدْ آذَنْتُهُ ِبالحَرْبِ) أي أعلنت عليه الحرب، وذلك لمعاداته أولياء الله. قوله: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيْ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلِيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ) ولكن الفرائض تختلف كما سنبين إن شاء الله في الفوائد، إنما جنس الفرائض أحب إلى الله من جنس النوافل. قوله: (وَلاَ يَزَالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) لايزال: هذا من أفعال الاستمرار، أي أنه يستمر يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يحبه الله عزّ وجل. قوله: (فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيْ يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِيْ بِهَا) المعنى أن الله يسدده في سمعه وبصره ويده ورجله، ويكون المعنى: أن يُوفّق هذا الإنسان فيما يسمع ويبصر ويمشي ويبطش. وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلَنِيْ لأَعْطِيَنَّهُ) هذه الجملة تضمنت شرطاً وقسماً، السابق فيهما القسم، ولهذا جاء الجواب للقسم دون الشرط، فقال: لأَعْطِيَنَّهُ. قوله: (وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي) أي طلب مني أن أعيذه فأكون ملجأ له (لأعِيذَنَّهُ) فذكر السؤال الذي به حصول المطلوب، والاستعاذة التي بها النجاة من المرهوب، وأخبر أنه سبحانه وتعالى يعطي هذا المتقرب إليه بالنوافل ما سأل، ويعيذه مما استعاذ.

السيرة الذاتية لراوي الحديث:

أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وكان يعرف بالجاهلية باسم عبد شمس بن صخر، وعرف بأبي هريرة لأنه كان يرعى الأغنام وهو صغير مع هرته الصغيرة التي كان يحتفظ بها في الشجر ليلاً، حيث كان يعطف عليها، ويرعاها، ويطعمها. ولد في عام 21 قبل الهجرة النبوية في قبيلة دوس، وأسلم في السنة السابعة من الهجرة عندما كان في الثامنة والعشرين من العمر. كان أبو هريرة شديد الفقر، حيث كان يربط على بطنه حجراً من شدة الجوع. وفي أحد الأيام خرج وهو جائع، فمر به أبو بكر، فسأله أبو هريرة عن تفسير آية ما، ففسرها له، وانصرف، علماً بأن أبا هريرة يعرف تفسيرها، إلا أنه أراد منه أن يصطحبه لبيته ليطعمه. فمر عليه عمر بن الخطاب، وفعل معه كما فعل مع أبي بكر، إلا أنه رد عليه كما رد أبي بكر، وانصرف. فمر على رسول الله، فعلم ما يرد، وأخذه إلى بيته، فوجد لبناً في قدح، فقال: من أين لكم هذا؟ قيل: أرسل به إليك. فقال النبي: أبا هريرة، انطلق إلى أهل الصفة؛ فادعهم، فحزن أبو هريرة، وقال في نفسه: كنت أرجو أن أشرب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي، ثم قال في نفسه: لا بد من تنفيذ أمر الرسول، وذهب إلى المسجد، ونادى على أهل الصفة، فجاءوا، فقال في نفسه: إذا شرب كل هؤلاء ماذا يبقى لي في القدح، فأتوا معه إلى بيت النبي، فقال له النبي: أبا هر، خذ فأعطهم، فقام أبو هريرة يدور عليهم بقدح اللبن يشرب الرجل منهم حتى يروى ويشبع، ثم يعطيه لمن بعده فيشرب حتى يشبع، حتى شرب آخرهم، ولم يبق في القدح إلا شيء يسير، فرفع النبي رأسه وهو يبتسم وقال: أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت قلت: صدقت يا رسول الله، فقال الرسول: فاقعد فاشرب، قال أبو هريرة: فقعدت فشربت، فقال: اشرب. فشربت، فما زال النبي يقول لي اشرب فأشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغًا، فقال النبي: ناولني القدح فأخذ النبي القدح فشرب من الفضلة [صحيح البخاري].

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث:

قراءة المزيد

الترغيب في فعل الحسنات - الاربعين النوويه

الترغيب في فعل الحسنات

الحديث السابع والثلاثون: حديث الترغيب في فعل الحسنات

نص الحديث:

عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النبي ﷺ فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إِلىَ أَضْعَاف كَثِيْرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيْحَيهِمَا بِهَذِهِ الحُرُوْفِ.

خلاصة الحديث:

الحديث يوضح أن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات وبينها، فمن هم بفعل حسنة ولم يفعلها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف أو أكثر. ومن هم بسيئة ولم يفعلها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله سيئة واحدة.

شرح الحديث:

قوله (فيمَا يَرويهِ عَنْ رَبِّهِ) يسمى هذا الحديث عند العلماء حديثاً قدسياً. قوله: (كَتَبَ) أي كتب وقوعها وكتب ثوابها، فهي واقعة بقضاء الله وقدره المكتوب في اللوح المحفوظ، وهي أيضاً مكتوب ثوابها كما سيبين في الحديث. أما وقوعها: ففي اللوح المحفوظ. وأما ثوابها: فبما دل عليه الشرع. قوله: (ثُمَ بَيَّنَ ذَلِك) أي فصله. قوله: (فَمَن هم بِحَسَنةٍ فَلَم يَعمَلهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) والمهم هنا ليس مجرد حديث النفس، لأن حديث النفس لا يكتب للإنسان ولا عليه، ولكن المراد عزم على أن يفعل ولكن تكاسل ولم يفعل، فيكتبها الله حسنة كاملة. فإن قيل: كيف يثاب وهو لم يعمل؟ فالجواب: يثاب على العزم ومع النية الصادقة تكتب حسنة كاملة.

السيرة الذاتية لراوي الحديث:

هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي، صحابي جليل، وهو ابن عم النبي ﷺ، كني بأبو العباس وهو أكبر ولده، لقب بالبحر والحبر لسعة علمه وحدة فهمه، وبترجمان القرآن لأنه فسر القرآن وبينه فأجاد وأحسن بيانه. ولد والنبي ﷺ وأهل بيته بالشعب من مكة، فأتي به النبي ﷺ فحنكه بريقه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بخمس. توفي رضي الله عنه بالطائف سنة ثمان وستين، ويقال سنة تسع وستين، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: إحدى وسبعين سنة.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث:

قراءة المزيد

قضاء حوائج المسلمين - الاربعين النوويه

قضاء حوائج المسلمين - شرح حديث

الحديث السادس والثلاثون: حديث قضاء حوائج المسلمين

نص الحديث

عَنْ أَبي هُرَيرَة رضي الله عنه عَنِ النبي ﷺ قَالَ:
(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِن كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كرَبِ يَوم القيامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ على مُعسرٍ يَسَّرَ الله عَلَيهِ في الدُّنيَا والآخِرَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً سَتَرَهُ الله في الدُّنيَا وَالآخِرَة، وَاللهُ في عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ في عَونِ أخيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَريقَاً يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طَريقَاً إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِنْ بيوتِ اللهِ يَتلونَ كِتابِ اللهِ وَيتَدارَسونهَ بَينَهُم إِلا نَزَلَت عَلَيهُم السَّكينَة وَغَشيَتهم الرَّحمَة وحَفَتهُمُ المَلائِكة وَذَكَرهُم اللهُ فيمَن عِندَهُ، وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بهِ نَسَبُهُ) رواه مسلم بهذا اللفظ.

شرح الحديث

قوله: (مَنْ نَفسَ) أي وسع. قوله: (عَنْ مُؤمِنٍ كُربَةً) الكربة ما يكرب الإنسان ويغتم منه ويتضايق منه. قوله: (مِنْ كُربِ الدنيَا) أي من الكرب التي تكون في الدنيا وإن كانت من مسائل الدين، لأن الإنسان قد تصيبه كربة من كرب الدين فينفس عنه. قوله: (نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القيامَة) الجزاء من جنس العمل من حيث الجنس، تنفيس وتنفيس، لكن من حيث النوع يختلف اختلافاً عظيماً، فكرب الدنيا لا تساوي شيئاً بالنسبة لكرب الآخرة، فإذا نفس الله عن الإنسان كربة من كرب الآخرة كان ثوابه أعظم من عمله.

وقوله: (يَومِ القيامَة) هو الذي تقوم فيه الساعة، وسمي بذلك لثلاثة أمور: الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله عزّ وجل، قال الله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). الثاني: أنه تقام فيه الأشهاد، كما قال الله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). الثالث: أنه يقام فيه العدل، لقول الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً).

قوله: (وَمَنْ يَسَّرَ) أي سهل. قوله: (عَلَى مُعسَر) أي ذي إعسار كما قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة). قوله: (يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ في الدُّنيَا وَالآخِرَة) ويشمل هذا التيسير تيسير المال، وتيسير الأعمال، وتيسير التعليم وغير ذلك، أي نوع من أنواع التيسير. وهنا ذكر الجزاء في موضعين: الأول: في الدنيا، والثاني: في الآخرة.

قوله: (وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً) أي أخفى وغطى، والمقصود ستر مسلماً ارتكب ما يعاب. إما في المروءة والخلق، وإما في الدين والعمل، (سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة). قوله: (وَاللهُ في عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ في عَونِ أخيهِ) يعني أنك إذا أعنت أخاك كان الله في عونك كما كنت تعين أخاك.

قوله: (وَمَنْ سَلَكَ طَريقَاً) أي دخله ومشى فيه. قوله: (يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً) أي يطلب علماً. قوله: (سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَريقَاً إِلَى الجَنَّةِ) يعني سهل الله له هداية التوفيق بالطريق إلى الجنة، والمراد بالعلم هنا علم الشريعة وما يسانده من علوم العربية والتاريخ وما أشبه ذلك. والجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأوصافها وأوصاف ما فيها من النعيم موجود في الكتاب والسنة بكثرة.

قوله: (وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِنْ بيوتِ اللهِ) ما: نافية بدليل أنها جاء بعدها إلا المثبتة. وبيوت الله هي المساجد، فإن المساجد هي بيوت الله عزّ وجل، كما قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).

قوله: (يَتلونَ كِتَابَ الله) أي يقرؤونه لفظاً ومعنى. قوله: (وَيَتَدَارَسونَهُ بَينَهُم) أي يدرس بعضهم على بعض هذا القرآن. قوله: (إِلا نَزَلَت عَلَيهم السَّكينَة) أي طمأنينة القلب، وانشراح الصدر. قوله: (وَغَشيَتهم الرَّحمَة) أي غطتهم، والرحمة هنا يعني رحمة الله عزّ وجل. قوله: (وَحَفَّتهُم المَلائِكة) أي أحاطت بهم إكراماً لهم. قوله: (وَذكرهُم اللهُ فيمَن عِنده) أي أن هؤلاء القوم الذين اجتمعوا في المسجد يتدارسون كلام الله عزّ وجل يذكرهم الله فيمن عنده، وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: (من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).

السيرة الذاتية لراوي الحديث

أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وكان يعرف بالجاهلية باسم عبد شمس بن صخر، وعرف بأبي هريرة لأنه كان يرعى الأغنام وهو صغير مع هرته الصغيرة التي كان يحتفظ بها في الشجر ليلاً، حيث كان يعطف عليها، ويرعاها، ويطعمها. ولد في عام 21 قبل الهجرة النبوية في قبيلة دوس، وأسلم في السنة السابعة من الهجرة عندما كان في الثامنة والعشرين من العمر. كان أبو هريرة شديد الفقر، حيث كان يربط على بطنه حجراً من شدة الجوع. وفي أحد الأيام خرج وهو جائع، فمر به أبو بكر، فسأله أبو هريرة عن تفسير آية ما، ففسرها له، وانصرف، علماً بأن أبا هريرة يعرف تفسيرها، إلا أنه أراد منه أن يصطحبه لبيته ليطعمه. فمر عليه عمر بن الخطاب، وفعل معه كما فعل مع أبي بكر، إلا أنه رد عليه كما رد أبي بكر، وانصرف. فمر على رسول الله، فعلم ما يرد، وأخذه إلى بيته، فوجد لبناً في قدح، فقال: من أين لكم هذا؟ قيل: أرسل به إليك. فقال النبي: أبا هريرة، انطلق إلى أهل الصفة؛ فادعهم. فحزن أبو هريرة، وقال في نفسه: كنت أرجو أن أشرب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي. ثم قال في نفسه: لا بد من تنفيذ أمر الرسول، وذهب إلى المسجد، ونادى على أهل الصفة، فجاءوا. فقال في نفسه: إذا شرب كل هؤلاء ماذا يبقى لي في القدح. فأتوا معه إلى بيت النبي، فقال له النبي: أبا هر، خذ فأعطهم. فقام أبو هريرة يدور عليهم بقدح اللبن يشرب الرجل منهم حتى يروى ويشبع، ثم يعطيه لمن بعده فيشرب حتى يشبع، حتى شرب آخرهم، ولم يبق في القدح إلا شيء يسير. فرفع النبي رأسه وهو يبتسم وقال: أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت قلت: صدقت يا رسول الله، فقال الرسول: فاقعد فاشرب. قال أبو هريرة: فقعدت فشربت، فقال: اشرب. فشربت، فما زال النبي يقول لي اشرب فأشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغًا، فقال النبي: ناولني القدح فأخذ النبي القدح فشرب من الفضلة [صحيح البخاري].

شرح الشيخ بن عثيمين

خلاصة الحديث

يوجب الحديث على المسلم قضاء حوائج إخوانه المسلمين، ومن ذلك:
1. تنفيس الكرب عن المؤمنين.
2. التيسير على المعسرين.
3. ستر عيوب المسلمين.
4. طلب العلم الشرعي.
5. الاجتماع في بيوت الله لتلاوة القرآن ودراسته.
ويشير إلى أن الجزاء من الله يكون في الدنيا والآخرة، وأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

قراءة المزيد

المسلم أخو المسلم - الاربعين النوويه

حديث المسلم أخو المسلم

الحديث الخامس والثلاثون: حديث المسلم أخو المسلم

نص الحديث:

عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لاَ تَحَاسَدوا، وَلاَتَنَاجَشوا، وَلاَ تَبَاغَضوا، وَلاَ تَدَابَروا، وَلاَ يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانَاً، المُسلِمُ أَخو المُسلِم، لاَ يَظلِمهُ، وَلاَ يَخذُلُهُ، وَلا يكْذِبُهُ، وَلايَحْقِرُهُ، التَّقوَى هَاهُنَا - وَيُشيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلاَثَ مَراتٍ - بِحَسْبِ امرىء مِن الشَّرأَن يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسِلمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَام دَمُهُ وَمَالُه وَعِرضُه" رواه مسلم

شرح الحديث

نهى النبي ﷺ عن الحسد والمناجشة والبغضاء والتدابر وبيع المسلم على بيع أخيه، وأمر بالتآخي في الله. المسلم لا يظلم أخاه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، والتقوى محلها القلب. حرمة المسلم تشمل دمه وماله وعرضه.

خلاصة الحديث:

الحديث يؤكد على حقوق الأخوة الإسلامية ويحرم الاعتداء على دم المسلم وماله وعرضه، مع تحريم الحسد والغش التجاري والبغضاء، وتأكيد أن التقوى أساس التعامل بين المسلمين.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم سنة 7 هـ، كان من أكثر الصحابة رواية للحديث. عُرف بفقر شديد وملازمة النبي ﷺ، اشتهر بقصة إطعام أهل الصفة من قدح لبن ببركة النبي. توفي سنة 59 هـ بالمدينة المنورة.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث

قراءة المزيد

تغيير المنكر - الاربعين النوويه

تغيير المنكر فريضة - شرح حديث

الحديث الرابع والثلاثون: حديث تغيير المنكر فريضة

نص الحديث

عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رِسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ:
(مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِقَلبِه وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ) رواه مسلم.

شرح الحديث

قوله: (مَنْ) اسم شرط جازم، و(رأى) فعل الشرط، وجملة (فَليُغَيرْه بَيَدِه) جواب الشرط. وقوله: (مَنْ رَأَى) هل المراد من علم وإن لم يرَ بعينه فيشمل من رأى بعينه ومن سمع بأذنه ومن بلغه خبر بيقين وما أشبه ذلك، أو نقول: الرؤيا هنا رؤية العين، أيهما أشمل؟ الجواب: الأول، فيحمل عليه، وإن كان الظاهر الحديث أنه رؤية العين لكن مادام اللفظ يحتمل معنى أعم فليحمل عليه.

وقوله: (مُنْكَراً) المنكر: هو ما نهى الله عنه ورسوله، لأنه ينكر على فاعله أن يفعله. (فَلْيُغَيِّرْهُ) أي يغير هذا المنكر بيده. وقوله: (مُنْكَرَاً) لابد أن يكون منكراً واضحاً يتفق عليه الجميع، أي المنكر والمنكر عليه، أو يكون مخالفة المنكر عليه مبينة على قول ضعيف لا وجه له. أما إذا كان من مسائل الاجتهاد فإنه لا ينكره.

(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي إن لم يستطع أن ينكره بيده (فَبِلِسَانِهِ) أي فلينكره بلسانه ويكون ذلك: بالتوبيخ، والزجر وما أشبه ذلك، ولكن لابد من استعمال الحكمة. وقوله (بِلِسَانِهِ) هل نقيس الكتابة على القول؟ الجواب: نعم، فيغير المنكر باللسان، ويغير بالكتابة، بأن يكتب في الصحف أو يؤلف كتباً يبين المنكر.

(فَإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقَلْبِهِ) أي فلينكر بقلبه، أي يكرهه ويبغضه ويتمنى أن لم يكن. (وَذَلِكَ) أي الإنكار بالقلب (أَضْعَفُ الإِيْمَانِ) أي أضعف مراتب الإيمان في هذا الباب أي في تغيير المنكر.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

أبو سعيد الخدري: هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج من الصحابة، وهو من ذرية الخزرج الأكبر فقيل له الخزرجي، وهو من الأنصار. أمه أنيسة بنت أبي حارثة من بني عدي النجار. اعتنق أبو سعيد الإسلام باكرا، فكان من الذين أسلموا قبل سن البلوغ. استشهد أبوه مالك في معركة أحد، وشارك أبو سعيد في معركة الخندق، وبيعة الرضوان. ويعد من رواة الحديث، فقد روى أبو سعيد 1،170 حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، ومسلم باثنين وخمسين. لم يسمح له النبي بالقتال في غزوة أحد لصغر سنه. كان يعظ الخلفاء ويخلص لهم في النصيحة، توفي سنة 74هـ.

شرح الشيخ بن عثيمين

خلاصة الحديث

يوجب الحديث على المسلم تغيير المنكر حسب استطاعته:
1. باليد لمن له سلطة
2. باللسان أو الكتابة للناصح
3. بالقلب (الإنكار الباطني) كحد أدنى
ويشير إلى أن الإيمان يضعف عندما يقف المسلم موقف المتفرج أمام المنكرات.

قراءة المزيد

لا ضرر ولا ضرار - الاربعين النوويه

حديث لا ضرر ولا ضرار

الحديث الثاني والثلاثون: حديث لا ضرر ولا ضرار

نص الحديث:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
(لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)
حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً.

شرح الحديث:

القاعدة الشرعية:

الحديث يعدّ قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية، حيث ينفي الضرر ابتداءً وردًا، أي لا يجوز للإنسان أن يبدأ بالضرر ولا أن يرد الضرر بضرر مماثل.

معنى (لا ضرر):

نفي الضرر هنا بمعنى النهي عنه، وهو أبلغ من النهي المباشر، حيث يفيد أن الضرر ليس من صفات المجتمع المسلم أصلاً.

معنى (ولا ضرار):

أي لا يجوز للإنسان أن يضر غيره انتقامًا أو ردًا على ضرر وقع عليه، فالشريعة تحرم الضرر بكل أشكاله.

أدلة قرآنية:

يؤيد الحديث آيات قرآنية مثل قوله تعالى: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) وقوله: (أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ).

السيرة الذاتية للراوي:

أبو سعيد الخدري (ت 74 هـ):
- صحابي جليل من الأنصار
- شارك في غزوة الخندق وبيعة الرضوان
- روى 1170 حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على 43 منها
- كان من المخلصين الناصحين للخلفاء
- توفي بالمدينة المنورة

شرح الشيخ ابن عثيمين:

خلاصة الحديث:

ثلاثة مبادئ عظيمة:
1- تحريم إلحاق الضرر بالآخرين ابتداءً
2- تحريم رد الضرر بضرر مماثل
3- تأكيد أن المجتمع المسلم مجتمع تسوده الرحمة والتعاون
مع التأكيد على أن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد

قراءة المزيد

الزهد في الدنيا - الاربعين النوويه

الحديث الواحد والثلاثون: حديث الزهد في الدنيا

الحديث الواحد والثلاثون: حديث الزهد في الدنيا

نص الحديث:

عَنْ أَبِي العَباس سَعدِ بنِ سَهلٍ السَّاعِدي رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ:
"يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ؟"
فَقَالَ: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ)

حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة.

شرح الحديث:

قوله (جَاءَ رَجُلٌ):

لم يُسَمَّ الرجل، إذ لا فائدة من التكلف في معرفته ما لم يكن لذلك أثر في الحكم الشرعي.

قوله (دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ):

طلب الرجل أمرين عظيمين: محبة الله ومحبة الناس، فأرشده النبي ﷺ إلى الزهد كحل جامع.

معنى الزهد:

الزهد في الدنيا: عدم التعلق بها والاكتفاء بما ينفع في الآخرة، وهو أعلى مرتبة من الورع.

حكمة السكوت عن بعض الأمور:

حثّ النبي ﷺ على ترك التطلع لما عند الناس لتحقيق المحبة الاجتماعية وعدم إثقالهم.

السيرة الذاتية للراوي:

أبو العباس سهل بن سعد الساعدي الأنصاري (ت 88 هـ):
- آخر الصحابة وفاة بالمدينة
- غيّر النبي ﷺ اسمه من "حزن" إلى "سهل"
- عاصر الحجاج بن يوسف الثقفي
- اشتهر بطول العمر وحمل الحديث النبوي

شرح الشيخ ابن عثيمين:

خلاصة الحديث:

ثلاثة مفاتيح للقبول:
1- الزهد في الدنيا: طريق لمحبة الله
2- الزهد في ممتلكات الناس: طريق لمحبتهم
3- التركيز على ما ينفع الآخرة بدل التعلق بالحياة الدنيا
مع التأكيد على أن الزهد الحقيقي لا يعني ترك العمل بل حسن التوكل

قراءة المزيد

الوقوف عند حدود الشرع - الاربعين النوويه

حديث الوقوف عند حدود الشرع

الحديث الثلاثون: حديث الوقوف عند حدود الشرع

نص الحديث:

عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ جُرثُومِ بنِ نَاشِرٍ رضي الله عنه عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
(إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا)
حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.

شرح الحديث:

قوله (فَرَضَ):

أي أوجب قطعًا، لأنه من الفرض وهو القطع. الفرائض مثل الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج.

قوله (وَحَدَّ حُدُودًا):

المراد بالحدود محارم الله عز وجل، الواجبات والمحرمات التي لا يجوز تجاوزها.

قوله (وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ):

مثل الزنا وشرب الخمر، وهي محرمات لا يجوز اقترافها.

قوله (وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ):

أي سكت عن أشياء رحمة بالعباد دون نسيان، فلا ينبغي البحث عنها أو التكلف في أمور الدين.

السيرة الذاتية للراوي:

أبو ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشب - صحابي جليل شهد بيعة الرضوان، أسلم على يد الرسول ﷺ، وكان من فقهاء الصحابة، توفي في الشام أثناء خلافة معاوية بن أبي سفيان.

شرح الشيخ ابن عثيمين:

خلاصة الحديث:

يؤكد الحديث على ثلاث قواعد عظيمة:
1- المحافظة على الفرائض وعدم تضييعها
2- عدم تجاوز حدود الله في الأوامر والنواهي
3- ترك ما سكت عنه الشرع امتثالًا لحكمة الله ورحمته
مع التأكيد على أن السكوت عن بعض الأمور ليس نسيانًا بل رحمة لتيسير الدين.

قراءة المزيد

ابواب الخير- الاربعين النوويه

الحديث التاسع والعشرون: حديث أبواب الخير

الحديث التاسع والعشرون: حديث أبواب الخير

عَن مُعَاذ بن جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ الله أَخبِرنِي بِعَمَلٍٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعدني منٍ النار قَالَ: (لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيْمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيْرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ لاَتُشْرِكُ بِهِ شَيْئَا، وَتُقِيْمُ الصَّلاة، وَتُؤتِي الزَّكَاة، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حَتَّى بَلَغَ: (يَعْلَمُونْ) [السجدة:16-17] ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَارَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ:بَلَى يَارَسُولَ اللهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ يَانَبِيَّ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَامُعَاذُ. وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَو قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

شرح الحديث

هِمَمُ الصحابة رضي الله عنهم عالية، فلم يقل:أخبرني بعمل أكسب فيه العشرة عشرين أو ثلاثين أو ما أشبه بذلك ، بل قال: (أَخبِرنِي بِعَمَلٍٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعدني من النارَ) أي يكون سبباً لدخول الجنة والبعد عن النار . فقال النبي ﷺ (لَقَد سَأَلتَ عَنْ عَظيمٍ) أي والله عظيم، هذه هي الحياة، أن تدخل الجنة وتبتعد عن النار، هذا هو الفوز والفلاح، قال الله عزّ وجل: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) ولهذا وصفه النبي ﷺ بأنه عظيم، ولكن الحمد لله.قوله: (وَإِنهُ ليَسيرٌ عَلى مِنْ يَسرَهُ اللهُ عَلَيه) - اللهم يسره علينا يا رب العالمين - وصدق النبي ﷺ فإن الدين الإسلامي مبني على اليسر، قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)... [الشرح الكامل موجود في النص الأصلي]

السيرة الذاتية لراوي الحديث

هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، يكنى بأبي عبد الرحمن. أسلم في الثامنة عشرة من عمره، شهد جميع الغزوات مع النبي ﷺ، وبعثه النبي إلى اليمن لتعليم الإسلام. كان من أعلام الصحابة في الفقه والقرآن، اشتهر بالزهد والكرم والعلم الغزير.

خلاصة الحديث

يبيّن الحديث أركان الإسلام الخمسة كطريق للجنة، ويشير إلى أبواب الخير الإضافية مثل الصوم والصدقة وقيام الليل. يؤكد على أهمية الجهاد كذروة الإيمان، ويحذر من خطر اللسان كمصدر رئيسي للهلاك، حيث أن حفظ اللسان هو ملاك الأمر كله.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث

قراءة المزيد

السمع والطاعة - الاربعين النوويه

حديث السمع والطاعة

الحديث الثامن والعشرون: حديث السمع والطاعة

عَن أَبي نَجِيحٍ العربَاضِ بنِ سَاريَةَ رضي الله عنه قَالَ: وَعَظَنا رَسُولُ اللهِ مَوعِظَةً وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ وَذَرَفَت مِنهَا العُيون. فَقُلْنَا: يَارَسُولَ اللهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوصِنَا، قَالَ: (أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ عز وجل وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافَاً كَثِيرَاً؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِيْ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المّهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فإنَّ كلّ مُحدثةٍ بدعة، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح.

شرح الحديث

قوله: (وَعَظَنا) الوعظ: التذكير بما يلين القلب سواء كانت الموعظة ترغيباً أو ترهيباً، وكان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة أحياناً. وقوله: (وَجلَت مِنهَا القُلُوبُ) أي خافت منها القلوب كما قال الله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ). ( وَذَرَفَت مِنهَا العُيون) أي ذرفت الدموع، وهو كناية عن البكاء. " فَقُلنَا يَا رَسُول الله:كَأنَّها" أي هذه الموعظة "مَوعِظَةَ مُوَدِّعٍ" وذلك لتأثيرها في إلقائها، وفي موضوعها، وفي هيئة الواعظ لأن كل هذا مؤثر، حتى إننا في عصرنا الآن تسمع الخطيب فيلين قلبك وتخاف وتبكي، فإذا سمعته مسجلاً لم تتأثر، فتأثير المواعظ له أسباب منها: الموضوع، وحال الواعظ، وانفعاله. قَالَ: (أوصيكُم بِتَقوَى اللهِ عزّ وجل) هذه الوصية مأخوذة من قول الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) فتقوى الله رأس كل شيء. ومعنى التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه على علم وبصيرة. ولهذا قال بعضهم في تفسيرها: أن تعبد الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما حرم الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. وقال بعضهم: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واعمل كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لاتحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى قوله: (وَالسَّمعُ والطَّاعَة) أي لولاة الأمر بدليل قوله وَإِن تَأمَّر عَليكُم والسمع والطاعة بأن تسمع إذا تكلم، وأن تطيع إذا أمر . قوله: ( وَإن تَأمَّر عَلَيكُم) أي صار أميراً "عبد" أي مملوكاً. قوله: (فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم) أي تطول به الحياة "فَسَيَرى" والسين هنا للتحقيق اختِلاَفاً كَثيراً في العقيدة، وفي العمل ، وفي المنهج، وهذا الذي حصل، فالصحابة رضي الله عنهم الذين عاشوا طويلاً وجدوا من الاختلاف والفتن والشرور ما لم يكن لهم في الحسبان. ثم أرشدهم ﷺ إلى ما يلزمونه عند هذا الاختلاف، فقال: (فَعَلَيكُم بِسَّنتي) أي الزموا سنتي، والمراد بالسنة هنا: الطريقة التي هو عليها ، فلا تبتدعوا في دين الله عزّ وجل ما ليس منه ،ولا تخرجوا عن شريعته. قوله: ( وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَاشِدين) الخلفاء الذين يخلفون رسول الله ﷺ في أمته، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه. فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الخليفة الأول لهذه الأمة، نص النبي ﷺ على خلافته نصاً يقرب من اليقين، وعامله بأمور تشير إلى أنه الخليفة بعده. ثم الخليفة من بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه أولى الناس بالخلافة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنهما صاحبا رسول الله ﷺ وكان كثيراً ما يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر ،فرأى أبو بكر رضي الله عنه أن أحق الناس بالخلافة عمر رضي الله عنه. وخلافة عمر رضي الله عنه ثابتة شرعاً لأنها وقعت من خليفة، ثم صارت الخلافة لعثمان رضي الله عنه بمشورة معروفة رتبها عمر رضي الله عنه، ثم صارت بعد ذلك لعلي رضي الله عنه هؤلاء هم الخلفاء الراشدون لا إشكال فيهم. وقوله: (المهديين) صفة مؤكدة لما سبق، لأنه يلزم من كونهم راشدين أن يكونوا مهديين، إذ لا يمكن رشد إلا بهداية، وعليه فالصفة هنا ليست صفة احتراز ولكنها صفة توكيد وبيان علة، يعني أنهم رشدوا لأنهم مهديون. وقوله: (عَضُّوا عَلَيهَا) أي على سنتي وسنة الخلفاء (بالنَّوَاجِذِ) وهي أقصى الأضراس ومن المعلوم أن السنة ليست جسماً يؤكل، لكن هذا كناية عن شدة التمسك بها، أي أن الإنسان يتمسك بهذه السنة حتى يعض عليها بأقصى أضراسه. وقوله: (وَإيَّاكُم) لما حث على التمسك بالسنة حذر من البدعة. وقوله: (وَإيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمور) أي اجتنبوها، والمراد بالأمور هنا الشؤون، والمراد بالشؤون شؤون الدين، لا المحدثات في أمور الدنيا، لأن المحدثات في أمور الدنيا منها ما هو نافع فهو خير، ومنها ما هو ضار فهو شر، لكن المحدثات في أمور الدين كلها شر، ولهذا قال: "فَإِنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَة" لأنها ابتدعت وأنشئت من جديد. قوله: (كُل بِدعَةٍ ضَلالَة) أي كل بدعة في دين الله عزّ وجل فهي ضلالة.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

العِرْبَاضُ بن سارية السلمي من أعيان أهل الصفة، سكن حمص. وهو أحد البكائين الذين ورد فيهم في القرآن : ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ روى أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية. وهو ممن نزل فيه: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) فسلمنا، وقلن: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال: صلى بنا رسول الله الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقيل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبْدًا حبشيًّ. فإنه من يعِشْ منكم بعدي، فسَيَرى اختلافًا كثير. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور ; فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. ويروى عن أبي الفيض أنه قال: سمعت عمر أبا حفص الحمصي قال: أعطى معاوية المقدام حمارا من المغنم فقال له العرباض بن سارية: ما كان لك أن تأخذه وما كان له أن يعطيك كأني بك في النار تحمله على عنقك فرده. قال محمد بن عوف: كان قديم الإسلام جدا، وقال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وقال أبو مسهر: مات بعد ذلك سنة خمس وسبعين. ويظن أنه دفن في قرية كفرلاها في محافظة حمص وله مقام وجامع يزوره أهل القرية ومقامه على بعد 27 كم من مدينة حمص.

خلاصة الحديث

يوصي النبي ﷺ في هذا الحديث بالتمسك بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر حتى لو كانوا من العبيد، ويحذر من الاختلافات الكثيرة التي ستحدث بعد وفاته، ويأمر بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ويحذر من البدع والمحدثات في الدين لأن كل بدعة ضلالة.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث

قراءة المزيد

تعريف البر و الاثم - الاربعين النوويه

حديث تعريف البر والإثم

الحديث السابع والعشرون: حديث تعريف البر والإثم

نص الحديث

عن النواس بن سمعان رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال:
"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"
(رواه مسلم).

وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله ﷺ، فقال:
"جئت تسأل عن البر والإثم؟" قلت: نعم؛ قال:
"استفت قلبك؛ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك"
(حديث حسن).

شرح الحديث

الحديث يوضح مفهوم البر والإثم بطريقة بسيطة وعميقة:

  • البر: هو كل ما يحقق الخير والصلاح، ويشمل حسن الخلق مع الله والناس، والقيام بالواجبات، والإحسان إلى الآخرين.
  • حسن الخلق: يتضمن التعامل بلطف واحترام مع الآخرين، والصبر على الأذى، وطلاقة الوجه.
  • الإثم: هو كل ما يسبب القلق والتردد في النفس، ويكره المرء أن يطلع عليه الناس لأنه يعلم أنه خطأ.

الحديث يعلمنا أن القلب السليم هو مرجعنا في تمييز الخير من الشر، خاصة عندما نكون في شك من أمر ما.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

النواس بن سمعان: من صحابة النبي ﷺ، كان من الشاميين، ووالده وفد على النبي ﷺ. روى عدة أحاديث عن النبي ﷺ.
وابصة بن معبد: صحابي جليل، وفد على النبي ﷺ سنة 9 هـ، وروى عنه أحاديث عديدة. كان من أهل الجزيرة، وعُرف بورعه وحكمته.

خلاصة الحديث

يقدم الحديث تعريفًا واضحًا للبر والإثم:

  • البر هو كل عمل يرضي الله ويريح النفس، ويشمل حسن الخلق والإحسان.
  • الإثم هو كل ما يسبب القلق والتردد، ويكره المرء أن يطلع عليه الناس.
  • القلب السليم هو دليلنا لتمييز الخير من الشر.

شرح الشيخ ابن عثيمين

قراءة المزيد

كثرة طرق الخير - الاربعين النوويه

حديث كثرة طرق الخير

الحديث السادس والعشرون : حديث كثرة طرق الخير

نص الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
"كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمل له عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة"
(رواه البخاري ومسلم)

شرح الحديث

السلامى هي المفاصل أو العظام، وعددها في الإنسان 360 مفصلاً كما ورد في الحديث. وقد جعل الله هذه الصدقات سهلة متنوعة تشمل:

  • العدل بين الناس وحل النزاعات
  • مساعدة الآخرين في حمل أمتعتهم
  • الكلام الطيب والذكر
  • المشي إلى الصلاة
  • إزالة الأذى عن الطريق

السيرة الذاتية لراوي الحديث

أبو هريرة (عبد الرحمن بن صخر الدوسي) من كبار الصحابة وأكثرهم رواية للحديث. عُرف بفقر شديد وملازمته للنبي ﷺ. أسلم سنة 7 هـ وكان من أهل الصفة، اشتهر بحفظه للحديث وورعه.

خلاصة الحديث

يرشدنا الحديث إلى أن أبواب الخير كثيرة ومتنوعة، وأن الصدقة ليست مادية فقط بل تشمل كل عمل إيجابي:

  • مساعدة الناس ماديًا ومعنويًا
  • الكلام الطيب والأخلاق الحسنة
  • أداء العبادات بنية صادقة
  • المشاركة في إصلاح المجتمع

شرح الشيخ ابن عثيمين

قراءة المزيد

فضل الذكر - الاربعين النوويه

حديث فضل الذكر

الحديث الخامس والعشرون: فضل الذكر

نص الحديث

عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: أَنَّ أُنَاسَاً مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالوا للنَّبي ﷺ: يَا رَسُولَ الله، ذَهَبَ أَهلُ الدثورِ بِالأُجورِ، يُصَلُّوْنَ كَمَا نُصَلِّيْ، وَيَصُوْمُوْنَ كَمَا نَصُوْمُ، وَيَتَصَدَّقُوْنَ بفُضُوْلِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: (أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُوْنَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيْحَةٍ صَدَقَة.وَكُلِّ تَكْبِيْرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمَيْدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيْلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بالِمَعْرُوْفٍ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِيْ بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَيَأْتِيْ أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُوْنُ لَهُ فِيْهَا أَجْرٌ؟ قَالَ:أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فَيْ حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فَي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

خلاصة الحديث

في هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن الأعمال الصالحة ليست مقصورة على الصدقة المالية فقط، بل تشمل كل تسبيحة وتكبيرة وتحْميدة وتَهْليلة، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى العلاقة الزوجية الحلال تكون فيها أجرٌ إذا قُصِدَ بها الاستمتاع الحلال. وهذا يدل على أن أبواب الخير واسعة ومتعددة، وليست حكرًا على الأغنياء فقط.

شرح الحديث

قوله: (أَنَ أُنَاسَاً) هؤلاء هم الفقراء قالوا للنبي ﷺ (ذَهَبَ أَهلُ الدثورِ) أي الأموال الكثيرة (بِالأُجورِ) أي الثواب عليها، وليس قصدهم بذلك الحسد، ولا الاعتراض على قدر الله، لكن قصدهم لعلهم يجدون أعمالاً يستطيعونها يقومون بها تقابل ما يفعله أهل الدثور. قوله: (يُصَلونَ كَمَا نُصَلي،وَيَصومُونَ كَمَا نَصوم، وَيَتَصَدَّقونَ بِفُضولِ أَموَالِهم) يعني ولا نتصدق لأنه ليس عندنا شيء، فكيف يمكن أن نسبقهم أو نكون مثلهم، هذا مراد الصحابة رضي الله عنهم وليس مرادهم قطعاً الاعتراض على قدر الله عزّ وجل، ولا أن يحسدوا هؤلاء الأغنياء. قال النبي ﷺ: (أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَّدَّقونَ بِهِ)؟ الجواب: بلى، ثم بيّنَ لهم فقال: (إِنَ بِكُلِّ تَسبيحَه صَدَقَةً) أي إذا قلت: سبحان الله فهي صدقة. قوله: (وَبِكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةً) إذا قلت الله أكبر فهذه صدقة. قوله: (وَبِكُلِّ تَحميدَه صَدَقَةً) إذا قلت الحمد لله فهذه صدقة . قوله: ( وَبِكُلِّ تَهليلَه صَدَقَة) إذا قلت لا إله إلا الله فهي صدقة. قوله: ( وَأَمرٌ بِالمَعروفِ صَدَقَةٌ) إذا أمرت من رأيته مقصراً في شيء من الطاعات فهي صدقة. قوله: (وَنَهيٌ عَن مُنكَرٍ صَدَقَةٌ) إذا رأيت شخصاً على منكر ونهيته فهي صدقة . هذه الأشياء التي ذكرها النبي ﷺ وقال: إنها صدقة يستطيعها هؤلاء الفقراء. والأغنياء يمكن أن لا يتصدقون كل يوم، وإذا تصدقوا باليوم لا يستوعبون اليوم بالصدقة ، فأنتم قادرون على هذا. ولما قرر النبي ﷺ هذا اقتنعوا رضي الله عنهم لكن لما قال: (وَفي بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ) أي أن الرجل إذا أتى أهله فله بذلك صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ استفهاماً وليس اعتراضاً، لكن يريدون أن يعرفوا وجه ذلك، كيف يأتي الإنسان أهله وشهوته ويقال إنك مأجور؟! أي أن الإنسان قد يستبعد هذا ولكن النبي ﷺ بيَّن لهم وجه ذلك فقال: (أَرَأيتُم لو وَضَعَها في حَرَامٍ أَكَانَ عَليهِ وِزر؟) والجواب: نعم يكون عليه وزر لو وضعها في حرام. قال ﷺ (فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَها في الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ) فاستغنى عن الحرام فكان مأجوراً بهذا، وهذا ما يسمى عند العلماء بقياس العكس، أي إذا ثبت هذا ثبت ضده في ضده.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

أبو ذر الغفاري، رضي الله عنه: المشهور أن اسمه: جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن عفان. قال الذهبي رحمه الله: "أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد ﷺ. قيل: كان خامس خمسة في الإسلام. ثم إنه رد إلى بلاد قومه فأقام بها بأمر النبي ﷺ له بذلك، فلما أن هاجر النبي ﷺ هاجر إليه أبو ذر رضي الله عنه ولازمه وجاهد معه. وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. قيل: كان آدمَ [ يعني: أسمر اللون]، ضخما، جسيما، كث اللحية. وكان رأسا في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوالا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر". قال ابن كثير رحمه الله: "هُوَ أَوَّلُ مَنْ حَيَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ وَقَوْمِهِ، فَكَانَ هُنَاكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَهَاجَرَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ لَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً"، وكان رسول الله ﷺ يحبه، ويعتني بأمره، ويرشده إلى ما يصلحه: عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ).

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث

قراءة المزيد

فضل الله على الناس - الاربعين النوويه

حدث أبي ذر الغفاري عن فضل الله على الناس

الحديث الرابع والعشرون: حديث أبي ذر الغفاري عن فضل الله على الناس

نص الحديث

عَنْ أَبي ذرٍّ الغِفَارْي رضي الله عنه عَن النبي ﷺ فيما يَرْويه عَنْ رَبِِّهِ عزَّ وجل أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِيْ إِنِّيْ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِيْ وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمَاً فَلا تَظَالَمُوْا، يَا عِبَادِيْ كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُوْنِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِيْ كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فاَسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِيْ كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُوْنِيْ أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِيْ إِنَّكُمْ تُخْطِئُوْنَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعَاً فَاسْتَغْفِرُوْنِيْ أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِيْ إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوْا ضَرِّيْ فَتَضُرُّوْنِيْ وَلَنْ تَبْلُغُوْا نَفْعِيْ فَتَنْفَعُوْنِيْ، يَا عِبَادِيْ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوْا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فَيْ مُلْكِيْ شَيْئَاً. يَا عِبَادِيْ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوْا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِيْ شَيْئَاً، يَا عِبَادِيْ لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوْا فِيْ صَعِيْدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوْنِيْ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِيْ إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إَذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يَا عِبَادِيْ إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيْهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرَاً فَليَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُوْمَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ) رواه مسلم.

خلاصة الحديث

يبيّن الحديث القدسي فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم، حيث حرّم الظلم على نفسه وجعله محرماً بين الناس، وأمرهم بعدم الظلم. كما يؤكد أن الله هو الهادي والمطعم والكافي، وأنه يغفر الذنوب جميعاً لمن يستغفره. ويذكر أن أعمال العباد محصاة وسيوفون بها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

شرح الحديث

الحديث القدسي يوضح أن الله تعالى حرّم الظلم على نفسه وجعله محرماً بين الناس، وأمرهم بعدم الظلم. كما يؤكد أن الله هو الهادي والمطعم والكافي، وأنه يغفر الذنوب جميعاً لمن يستغفره. ويذكر أن أعمال العباد محصاة وسيوفون بها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

أبو ذر الغفاري، رضي الله عنه، من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان من نجباء أصحاب النبي ﷺ. اشتهر بالزهد والصدق والعلم والعمل، وكان قوالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم. شهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب، وكان من المقربين إلى النبي ﷺ.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث

قراءة المزيد

جوامع الخير - الاربعين النوويه

الحديث الثالث والعشرون: جوامع الخير

الحديث الثالث والعشرون: جوامع الخير

نص الحديث

عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها". رواه مسلم.

شرح الحديث

قوله: "الطهور شطر الإيمان" أي نصفه، وذلك أن الإيمان - كما يقولون - تخلية وتحلية. التخلية: بالطهور، والتحلية: بفعل الطاعات. فوجه كون الطهور شطر الإيمان: أن الإيمان إما فعل وإما ترك. والتّركُ تَطَهُّرٌ، والفعل إيجاد. فقوله: "شطر الإيمان" قيل في معناه: التخلي عن الإشراك لأن الشرك بالله نجاسة كما قال الله تعالى: "إنما المشركون نجس" فلهذا كان الطهور شطر الإيمان، وهذا المعنى أحسن وأعمّ.

قوله: "والحمد لله تملأ الميزان" يعني قول القائل: الحمد لله يمتلئ الميزان بها، أي الميزان الذي توزن به الأعمال كما قال الله عزّ وجل: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين".

قوله: "وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماء والأرض" يعني أن تسبيح الله وحمده يملأ ما بين السماء والأرض، وهذا يدل على عظم أجر التسبيح والتحميد.

قوله: "والصلاة نور" أي صلاة الفريضة والنافلة نور، نور في القلب، ونور في الوجه، ونور في القبر، ونور في الحشر.

قوله: "والصدقة برهان" أي دليل على صدق إيمان المتصدّق. وجه ذلك: أن المال محبوب للنفوس، ولا يبذل المحبوب إلا في طلب ما هو أحب، وهذا يدلّ على إيمان المتصدق.

قوله: "والصبر ضياء" الصبر: حبس النفس عما يجب الصبر عنه وعليه، قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع: الأول: صبر عن معصية الله. الثاني: صبر على طاعة الله. الثالث: صبر على أقدار الله. والصبر فيه حرارة ومرارة، لأنه شاق على الإنسان، ولهذا جعل الصلاة نوراً، وجعل الصبر ضياءً لما يلابسه من المشقة والمعاناة.

قوله: "والقرآن حجة لك أو عليك" يكون القرآن حجة لك إذا نصحت له، ويكون حجة عليك إذا لم تنصح له.

قوله: "كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" أي كل الناس يخرج مبكراً في الغدوة في الصباح وهذا من باب ضرب المثل. يكون بيعه لنفسه إعتاقاً إذا قام بطاعة الله، ويكون إهلاكاً لها إذا لم يقم بطاعة الله.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

هو كعب بن عاصم أبو مالك الأشعري، قدم في السفينة مع الأشعريين على النبي وأسلم وصحب النبي وغزا معه وروى عنه. ويقول أبو موسى الأشعري: أن رسول الله عقد لأبي مالك الأشعري على خيل الطلب وأمره أن يطلب هوازن حين انهزمت. كان أصحاب النبي يسألونه وكان يجيب على كل سؤال بما يناسب صاحبه. توفي أبو مالك الأشعري في خلافة عمر بن الخطاب.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث

يمكن مشاهدة شرح الشيخ محمد بن عثيمين للحديث من خلال الفيديو التالي:
قراءة المزيد

الطريق الى الجنه - الاربعين النوويه

الحديث الثاني والعشرين: الطريق إلى الجنة

حديث : الطريق إلى الجنة

نص الحديث

عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: "أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرّمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: نعم". رواه مسلم.

شرح الحديث

يقول جابر رضي الله عنه: إن رجلاً سأل النبي ﷺ، وهذا الرجل لا نحتاج لمعرفة عينه، لأن المقصود القضية التي وقعت، ولا نحتاج إلى التعب في البحث عنه، اللهم إلا أن يكون تعيينه مما يختلف به الحكم فلابد من التعيين. وقوله "أرأيت" بمعنى أخبرني. "إذا صليت المكتوبات" وهن خمس صلوات في اليوم والليلة كما قال عزّ وجل: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً". "وصمت رمضان" أي الشهر المعروف. "وأحللت الحلال" أي فعلت الحلال معتقداً حله، هذا معنى قوله: "أحللت" لأن أحل الشيء لها معنيان: المعنى الأول: الاعتقاد أنه حلال. المعنى الثاني: العمل به. "وحرّمت الحرام" أي اجتنبت الحرام معتقداً تحريمه. ولكن النووي -رحمه الله- بعد أن ساق الحديث لم يقيد الحرام بكونه معتقداً تحريمه، لأن اجتناب الحرام خير وإن لم يعتقد أنه حرام، لكن إذا اعتقد أنه حرام صار تركه للحرام عبادة لأنه تركه لاعتقاده أنه حرام. "أدخل الجنة" يعني أأدخل الجنة، والجنة هي دار النعيم التي أعدها الله عزّ وجل للمتقين، فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والجنة فيها فاكهة ونخيل ورمان وفيها لحم وماء وفيها لبن وعسل. الاسم مطابق لأسماء ما في الدنيا ولكن الحقيقة مخالفة لها غاية المخالفة قال: نعم ونعم حرف جواب لإثبات المسؤول عنه، والمعنى: نعم تدخل الجنة.

السيرة الذاتية لراوي الحديث

هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي من بني سلمة، يكنى أبا عبد الله. وأمه نسيبة بنت عقبة بن عدي، وهي من بني سلمة أيضًا. وأبوه هو عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابي الجليل الذي استشهد في غزوة أُحد. روى عنه أحاديث النبي أكثر من مائة وعشرين من الصحابة والتابعين؛ فمن روى عنه من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن ثعلبة، ومحمود بن لبيد، وماعز التميمي، ومحمود بن عبد الرحمن التميمي وغيرهم. وممن روى عنه من التابعين: واسع بن حبان بن قرمز، ومعاذ بن رفاعة بن رافع، ويزيد بن صهيب، والحارث بن رافع، وغيرهم الكثير. كان يعلِّم غيره وينشر ما تعلمه من رسول الله، وكان أحد المفتين بعد رسول الله ﷺ، وكانت له حلقة في المسجد النبوي، يعلِّم فيها الناس ويفقههم. من أقوال جابر بن عبد الله: "ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها، ما خلا عمر وابنه عبد الله". وقال: عندما سمع بموت ابن عباس وصفق بإحدى يديه على الأخرى: "مات أعلم الناس، وأحلم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق". تُوُفِّي جابر بن عبد الله، سنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان.

شرح الشيخ بن عثيمين للحديث

يمكن مشاهدة شرح الشيخ محمد بن عثيمين للحديث من خلال الفيديو التالي:
قراءة المزيد